مقالات

وسائل تطوير أو ترقية القطاع الزراعي

المتعارف عليه، أن زيادة الإنتاج الزراعي تعتبر ضرورية لتحقيق التنمية الاقتصادية وأنه بدون هذه الزيادة فإن التنمية الاقتصادية تتعثر لتؤثر سلبا على الإنتاج الزراعي وتنتج وضعا غير مقبول كما أشرنا سابقا. وهذه الزيادة في الإنتاج الزراعي ضرورية لمواجهة الزيادة الخطيرة في النمو الديمغرافي والذي تعاني منه أغلب الدول النامية والمتخلفة. وهي لازمة أيضا لتوفير استهلاك عنصر العمل بعد زيادة معدل التطور الصناعي، وأخيرا فإن الزيادة في الإنتاج ضرورية لمواجهة طلب الصناعة المتزايد من المستخدمات الوسيطة ومن رأس المال؛ ولذلك تصبح زيادة الإنتاج الزراعي ضرورة حتمية من أجل تحقيق التنمية الاقتصادية، وهذا في حقيقة الأمر هو جوهر التنمية الزراعية، وفلسفتها التي تنصرف إلى كافة الإجراءات والتي من شأنها زيادة الإنتاج الزراعي المتاح لعملية التنمية الاقتصادية.

وفي هذا السياق، يمكن أن نميز بين أمرين في وسائل التنمية الزراعية، يتمثل الأول في إعادة تنظيم العلاقات الزراعية؛ أما الثاني فيتمثل في زيادة الموارد الزراعية المستخدمة .والجدير بالذكر أن التمييز بين الوسيلتين السالفتي الذكر لا يعدو أن يكون منهجا للدراسة فقط، إذ أنهما متشابكتان في الواقع وقلما توجد صورة لإحداهما دون الأخرى.

فإعادة تنظيم العلاقات الزراعية، إنما يعتبر في الواقع تمهيدا لتنمية الموارد  الزراعية حيث يظهر أهمية زيادة الموارد الزراعية، ومن ناحية أخرى، فإن زيادة الموارد الزراعية لا تتصور دون إعادة تنظيم العلاقات الزراعية.

وتشير الدلائل الواقعية والتاريخية أن النمو الزراعي يتطور وفق وتيرة مقبولة نحو التحسن بالنسبة للدول النامية بصورة عامة، بل أنه قد تجاوز كل الخبرات السابقة وكل
التوقعات، فمن الإنجازات البارزة في هذا المضمار أن الهند والفلبين والسعودية مثلا قد أصبحت مكتفية ذاتيا من إنتاج الحبوب الغذائية، وقد تحقق جانب مهم من هذا النمو في إنتاج الأغذية الأساسية، على خلاف ما كان عليه في الفترات السابقة (الاستعمارية)، عندما كان معظم التوسع يحدث في محاصيل التصدير التي تعود بالفائدة على الدولة المستعمرة، مثل الخمور إبان الاحتلال الفرنسي للجزائر. ولكن لا يجوز الإفراط في التفاؤل فنظرا للارتفاع السريع نسبيا في عدد السكان، كانت معدلات النمو في حصة الفرد متواضعة، بالنسبة للسلع الغذائية والزراعة عموما، وذلك منذ بداية الستينيات وصولا إلى منتصف الثمانينيات من القرن الماضي. وتواجه إفريقيا خصوصا وضعا صعبا، إذ تعرف القارة في مجموعها ركودا في إنتاجها من الأغذية خلال العقود الأخيرة وبالتالي فقد ازداد اعتماد أغلب البلدان الإفريقية على استيراد الأغذية، وتشير الإحصائيات في هذا الصدد أن عددا كبيرا من سكان البلدان النامية لا يمكن أن يطمئنوا في الحصول على الغذاء الكافي. ففي هذا الصدد تشير تقديرات منظمة الأغذية والزراعة إلى أن 826مليون نسمة كانوا يعانون من نقص التغذية في الفترة 1996 – 1998، منهم نحو 792مليون نسمة يعيشون في البلدان النامية .وربما يكون هناك الآن عشرة أمثال أو ما يفوق ذلك يواجهون وضعا تغذويا غير مضمون، لأن عدم استقرار الإنتاج الذي يرجع أساسا إلى الظروف المناخية يهددهم بخطر حدوث عجز في الأغذية.

وسوف يستمر السباق للحفاظ على إمدادات الأغذية في البلدان النامية متفاوتا أو يفوق نمو السكان، ومن المرجح أن تزداد سرعة وحدة هذا السباق مع استمرار التطور.

يضاف إلى ذلك أن الطلب على الغذاء سوف ينمو مع ارتفاع الدخل؛ وسيكون استمرار نمو الإنتاج لمقابلة هذه الضغوط أكثر صعوبة، نظرا لأن جانبا كبيرا من أفضل الأراضي ومعظم موارد المياه التي يمكن الوصول إليها هي الآن مستغلة بالفعل، وسوف تتناقص خصوبتها تدريجيا.

وإذا كانت الزراعة في معظم البلدان النامية تعتبر النشاط التقليدي الأساسي، فهي كذلك تبقى المفتاح إلى التنمية المستدامة للاقتصاد العصري، والتجارب العديدة تثبت بأن النمو الاقتصادي قد سار بالتوازي مع التقدم الزراعي. وعليه يكون الركود في الزراعة هو التفسير الأرجح لضعف الأداء الاقتصادي، وبالمقابل فإن ارتفاع الإنتاجية الزراعية كان أهم العوامل المصاحبة لنجاح التصنيع، ولهذا يجب العمل على تطوير القطاع الزراعي وترقيته باستمرار؛ حيث أن قطاع زراعي مزدهر سوف يؤدي وظائف بالغة الأهمية في تدعيم الاقتصاد الكلي.

ونظرا لما للقطاع الزراعي من أثر كبير في اقتصاديات الدول النامية، فلقد تزايد الاهتمام به ليصبح الركيزة الأولى للتنمية الاقتصادية والاجتماعية؛ حيث أن تطوير الزراعة في حقيقة الأمر هو تطوير للاقتصاد، وانخفاض الأداء في القطاع الزراعي يؤثر سلبا على نمو الاقتصاد ككل. ولهذا فإن إتباع سياسات فعالة لتطوير القطاع الزراعي سيكون بالضرورة مرتبطا ومؤثرا في تحقيق الأهداف الاجتماعية لزيادة العمالة والدخول النقدية لصغار الفلاحين؛ والتركيز على الزراعة سيعطي دفعة قوية للتصنيع الزراعي، حيث الميزة النسبية للدول النامية، وتعطي صناعات إحلال الواردات مجالا جيدا للتوسع الصناعي. ولكي يلعب القطاع الزراعي دوره كاملا في التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الدول النامية يجب العمل على:

  •  إتباع سياسة زراعية واضحة.
  •  صيانة الموارد الطبيعية.
  •  العمل على إقامة خدمات التنمية الأساسية والكافية من هياكل ووسائل مختلفة من نقل وتخزين ومحطات بحوث، وهذا يستدعي زيادة كبيرة في حجم الإنفاق الاستثماري.
  •  توفير المدخلات الزراعية المحسنة من أسمدة ومبيدات وطاقة محركة…الخ.
  •  توفير الخبرة والأيدي العاملة المدربة لتنفيذ وإدارة مشروعات التنمية الزراعية، بما يعود بالفائدة على الجميع.
  •  معالجة مسألة علاقات الإنتاج في الزراعة والعمل على رفع مستوى الإنتاج بما يتفق ومصلحة الاقتصاد الوطني.
  •  تحقيق التكامل بين مختلف فروع النشاط الزراعي.
  • تدعيم التنمية التسويقية داخليا وخارجيا، واعتبار التسويق عملية مهمة مكملة للإنتاج، من أجل إشباع حاجيات المستهلك، مع التقليل من التكاليف.
  •  توسيع مجالات الاستفادة من نتائج البحوث في المجال الزراعي.
السابق
أسباب تخلف القطاع الزراعي في الدول النامية
التالي
تباين معدلات الإنتاج الزراعي في العالم

اترك رد