مقالات

تباين معدلات الإنتاج الزراعي في العالم

إن عالم اليوم يعرف الكثير من التناقضات، فهو عصر العلم والتكنولوجيا والمعلوماتية، وهو العالم الذي يقارب الست مليارات نسمة، كما أنه عالم دول الشمال الذي يضم ربع البشرية حيث معدل دخل الفرد فيها يفوق الثلاثين ضعفا منه دخل الفرد في دول الجنوب، وعالم دول الجنوب حيث المعاناة بكل أبعادها، وبخاصة في مجال توفير الغذاء للمواطنين بالكم والكيف المطلوبين.

إن هذا العالم الراهن له خصائص مميزة من النواحي الاقتصادية والتقنية  والثقافية والحضارية، لها من الإيجابيات بقدر مالها من السلبيات؛ ففي حين وفر مرفق العلم للإنسانية وسائل وأدوات ومعارف أدت إلى زيادة إنتاج وتحسين الإنتاجية بالنسبة للمنتجات الزراعية الغذائية بشقيها النباتي والحيواني، فإن دخول العالم عصر العلم والتكنولوجيا واستفحال ظاهرة القطبية الأحادية ضمن منظور العولمة، أحدث تغييرا جذريا في الكثير من المعايير، بحيث لم تعد مناطق دول الجنوب هي المناطق التي تعتمد عليها دول الشمال في توفير ما تحتاجه لتعيش وتزدهر، وبخاصة من النواحي الغذائية؛ وإنما أصبح على دول الشمال أمام كثرة التوترات والحروب أن تجد لذاتها مكتنزاتها الذاتية من مقومات بقائها، وأولها غذاؤها. فعملت أولا على زيادة الإنتاج من مواردها الطبيعية كأساس لا غنى عنه، ثم سعت ثانيا إلى إيجاد حلفاء اقتصاديين تتكامل معهم في سد النقص الذي تعانيه، وثالثا، في إيجاد مخزون غذائي لها يقيها شر الويلات الطبيعية أو الويلات الإنسانية، وهي ممكنة، وقد تحدث في أية لحظة.

ولتفادي الوصول إلى هذه الوضعية، فقد أصبح إنتاج الغذاء يتسم بسمات عصرنا الراهن، حيث التوسع في استخدام مرافق العلم والتكنولوجيا، والتوسع في الإنتاج الكبير، وتحسين الإنتاجية، والمشاريع العملاقة، والشركات عابرة القارات ومختلف أنواع الاحتكار، حتى وصل إلى حد استخدام الغذاء كأحد الأسلحة التي تمتلكها قوى الاحتكار العالمية (مثلما حدث ضد العراق وفلسطين وكوريا الشمالية)، والتلويح بذلك في كثير من الأحيان؛ وتم تصنيف دول العالم وفقا لهذه الاعتبارات.

ففي حين قسمت دول العالم إلى دول الشمال ذات الوفرة الإنتاجية، ودول الجنوب ذات الندرة والحاجة؛ أصبحت سلع غذائية كالحبوب واللحوم والبيض والألبان والزيوت النباتية، سلع تهيمن عليها دول الشمال وغزيرة الإنتاج والفائض عن الاحتياجات في مجتمعاتها ذات القدرات الخارقة على دعم الأسعار وتحديدها وتصدير ما تشاء منها؛ وأصبحت دول الجنوب دول الحاجة إلى الاستيراد بمعدلات متزايدة، تغرق أكثر فأكثر في مستنقع التبعية الغذائية والمديونية.

وكان سعي دول الجنوب لتغيير المعادلة (النظام الاقتصادي الدولي الراهن) أو إيجاد معادلة تضمن حقها وحقوق الآخرين، فعبأت كل طاقاتها الممكنة، من أجل زيادة إنتاجها الغذائي، كما عملت على إيجاد مخزون من ذلك الغذاء لتتجنب تبعات التقلبات الممكنة الحدوث.

ومع ولادة منظمة التجارة الدولية واعتماد نظام الجودة المتكاملة زادت هيمنة دول الشمال على مقدرات الإنتاج الغذائي على المستوى الدولي. وأصبحت الدول النامية لا تقوى على منافسة الدول المتقدمة سواء في أسواقها الداخلية أو في الأسواق العالمية.

فانضمام الدول النامية إلى المنظمة في ظل الخصائص الإنتاجية والتسويقية القائمة بقطاع الزراعة تحديدا وفي ظل السياسات الضريبية والاتفاقية والائتمانية المطبقة سيؤدي إلى آثار سلبية أكثر من الآثار الإيجابية.

ولهذا فإن المتأمل لأوضاع القطاع الزراعي في الدول النامية عموما والعربية خصوصا يلاحظ التخلف النسبي له وذلك نظرا لانخفاض حجم الاستثمارات الموجـه إلى هــذا القطاع رغـم أهميته في الاقتصاديات العربية، ومن ثم كان لزامـاً علـى حكــومات الـدول العربية أن تتخذ إجراءات مشجعة لزيادة الاستثمارات في هذا القطـاع الحيـوي والهام، حتى تستطيع توفير الغذاء لسكانها دون ضغوطات أيا كانت طبيعتها.

إن ظهور مشكلة الغذاء العالمية في السبعينيات من القرن الماضـي، والطلـب المتزايـد على المنتجات الزراعية الغذائية، وتحسن مستويات الدخول بالنسبة لبعض الفئـات، أدى بالدول النامية ومنها الدول العربية إلى المعاناة من مختلف أشكال النقص مـن الإنتـاج الزراعي في المجال الغذائي، بعدما كانت هذه الدول شبه مكتفية ذاتيـا بالنسـبة لمعظـم السلع الغذائية في مطلع السبعينيات، وهذا ما أدى إلى زيادة قيمة الفجوة الغذائية، وأصبح  توفير الغذاء لتحقيق الأمن الغذائي قضية رئيسية وهدفا استراتيجيا تسعى كل الدول إلـى تحقيقه، وتزداد أهمية هذه القضية في ظل ما يشهده العالم اليوم من تحولات وتغييـرات جوهرية على الساحة السياسية والاقتصادية والتجارية، الشيء الذي يتطلـب ضـرورة تكامل الجهود ( ضمن منظومة دول الشمال أو العربية أو الجهوية) لاستغلال الموارد المتاحـة لزيادة إنتاج السلع الغذائية وتوفير الغذاء للمواطنين.

وبلادنا العربية وفي مقدمتها الجزائر كجزء من دول الجنوب، تعد من أكثر مناطق العالم احتياجا لاستيراد العديد مما تحتاجه من غذاء لمواطنيها من الخارج؛ إنها تعـيش حالـة غذائية خطيرة، فلقد تخطت مرحلة العجز الغذائي لتصل إلى مرحلة الانكشـاف، وهـذا الانكشاف الغذائي له أسباب عديدة، وهو لا يشمل سلعة معينة، بل يشمل سـلعا عديـدة، أولها الحبوب، وبخاصة القمح، مرورا باللحوم والألبـان والزيـوت النباتيـة والسـكر وغيرها، وكلها تعتبر من السلع الغذائية الإستراتيجية، ذات الاستهلاك الواسع. وفي ظل الاهتمام المتزايد بالبيئة خلال العقدين الأخيرين، والذي انعكس في صـور شـتى مـن أبرزها عقد المؤتمرات والندوات على صعيد الأمم المتحدة وعلى مستوى الأقطار، أيـن أصبح موضوع البيئة والتنمية المستدامة هو محور اهتمام الدول المتقدمة والنامية علـى حد سواء، يصبح لزاماً على الدول العربية لكي تتجاوز هذه الحالة، أن تكـون تنميتهـا الزراعيـة تنمية مستدامة تراعي الجوانب البيئية وكذا نصـيب الأجيـال القادمـة مـن الثروة؛ وذلك حتى يتسنى لها الاعتماد على مقدراتها الداخليـة، دون حاجـة للاسـتيراد الإجباري، والذي يفرض عليها شروطا هي في غنى عنها.

السابق
وسائل تطوير أو ترقية القطاع الزراعي
التالي
الزراعة وتعزيز الأمن الغذائي في البلدان النامية

اترك رد