السياسة السعرية الزراعية

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

تعتبر السياسة السعرية الزراعية أهم الأجزاء الرئيسية في السياسة الاقتصادية الزراعية، وهي تلعب دورا كبيرا في مستوى أداء القطاع الزراعي، ويقصد بها مجموعة الإجراءات والقرارات والقوانين التي تؤدي إلى تكوين هيكل الأسعار في شتى المجالات الإنتاجية والاستهلاكية، وهي بذلك تؤثر على كل من الإنتاج والاستهلاك والتوزيع، ومن ثم على مستوى المعيشة، وتلك هي المحاور الأساسية للأمن الغذائي، حيث من خلالها يمكن التعرف على متوسط نصيب الفرد من السلع الغذائية الهامة ومستوى الاكتفاء الذاتي والمستوى الغذائي للفرد، وهي تستخدم ضمن مجموعة من الإجراءات اللازمة للإصلاح الاقتصادي وتصحيح الاختلالات الهيكلية في قطاع الزراعة ويعتبر التدخل في تحديد الأسعار الزراعية من أكثر أدوات السياسة الزراعية فعالية على المدى القصير، من أجل التأثير على القدرة الشرائية للمستهلكين، ومستوى دخول المنتجين الزراعيين، واقتصاديات المناطق الريفية. والجدير بالذكر أن السياسة السعرية الزراعية تأخذ عدة أشكال عند التطبيق، تختلف تبعا لخصوصيات كل دولة واقتصادياتها. فبالنسبة للجزائر كانت الدولة تتدخل في رسم الأسعار الزراعية لتجنب الآثار السيئة التي قد تظهر إذا ما تركت هذه الأسعار تتكون وفقا لميكانيكية السوق الحر، حيث تؤدي التقلبات الكبيرة التي قد تحدث لهذه الأسعار إلى عدم استقرار الإنتاج الزراعي وتقلبات كبيرة في دخول المنتجين الزراعيين وعدم استقرارها. ومن الممكن أن يكون لها تأثيرا سلبيا على الاستثمارات الزراعية. حيث تميل الأسعار إلى الارتفاع بدرجة كبيرة إذا ما تكونت تحت ظروف ميكانيكية السوق الحر، وذلك لأن الطلب على السلع والمنتجات الزراعية وبخاصة الغذائية منها يزداد بمعدل أكبر من معدل الزيادة في الإنتاج، مما يعرض الاقتصاد الوطني لمشاكل تضخمية تؤدي إلى آثار غير مرغوبة على البنيان الاقتصادي، لذلك تصبح الحاجة الملحة للتدخل الحكومي في مجال رسم  السياسات السعرية، من أجل توفير درجة معينة من الأمان للمنتجين الزراعيين، وتحقيق دخول مجزية لهم، وكذلك تأمين مجموعة المستهلكين من الارتفاع الشديد في أسعار السلع الزراعية، وخاصة الغذائية منها، وبالتالي من الضغوط التضخمية غير المرغوبة.

ولهذا فإن السياسة السعرية تلعب دورا هاما في التأثير على الكفاءة الاقتصادية والاجتماعية، وتنظيم هجرة الموارد (مادية وبشرية) داخل وخارج القطاع الزراعي، كما أن نجاح السياسة السعرية الزراعية في تحقيق أهدافها، يساعد بدرجة كبيرة على تحقيق أهداف السياسة العامة للدولة. وتختلف أهداف السياسة السعرية الزراعية ودوافعها من دولة لأخرى، ومن مرحلة من مراحل النمو الاقتصادي لأخرى، تبعا للتغير في الأهداف الاقتصادية والتي تتغير بدورها تماشيا ودرجة التطور الاجتماعي والاقتصادي للدولة.

وبصفة عامة يمكننا حصر أهم أهداف السياسة السعرية الزراعية فيما يلي:

  • تحقيق الاستقرار في دخول المزارعين، نتيجة عدم تعرض الأسعار للتقلبات واتسامها بالاستقرار، وتحقيق التوازن بين الإنتاج والاستهلاك؛
  • الحفاظ على مستويات معيشية مقبولة، تبعا للدخول المتاحة؛
  • تحقيق العدالة في توزيع الدخل القومي بين القطاع الزراعي وغيره من القطاعات الأخرى، وكذا توزيع الدخل الزراعي بين الاستهلاك والاستثمار؛
  • تعديل هيكل الصادرات والواردات، بما يتفق وتحسين ميزان المدفوعات؛
  • تحقيق الترابط والتكامل بين الزراعة والقطاعات الاقتصادية الأخرى، ومساهمة الزراعة في تنمية سائر القطاعات، وبخاصة منها قطاع الصناعة في المراحل الأولى من عملية التنمية؛

وتتباين إجراءات ووسائل تنفيذ السياسة السعرية من دولة لأخرى، ومن وقت لآخر (كما سبق وأشرنا في مقالات سابقة على موقع الهندسة الزراعية)، وذلك حسب طبيعة وأهداف السياسات والاحتياجات المطلوبة والظروف السائدة، وفيما يلي إشارة لأهم إجراءات ووسائل تنفيذ السياسة السعرية:

  • تحديد سعر ثابت للمنتوج مع ضمان أسعار دنيا، وفي هذه الحالة تقوم الدولة بتحديد أسعار المنتوج مسبقا، وربما تضع حدا أدنى لضمان حصول الفلاح على السعر المجزي؛ وتستلزم سياسة ضمان الحد الأدنى إمكانية أن تشتري الدولة الكميات التي يعرضها الفلاح في السوق، والتي لا يستطيع بيعها عند سعر أعلى من سعر السوق الذي تحدده الدولة. ويتوقف نجاح هذا الأسلوب على التقدير الصحيح للأسعار، ومدى إمكانية الشراء والتخزين من قبل الدولة، وهذا الإجراء لا يلائم السلع القابلة للتلف ( كما حصل لمحصول الطماطم مثلا).
  • تحديد أسعار إجبارية للمنتوج، وتكون هذه الأسعار معلومة مسبقا ويقتصر دور الدولة هنا على تنفيذ هذه الأسعار.
  •  إجراءات تحديد أسعار للمستهلك وتقييد الأسعار العليا حتى يكون السعر في متناول المستهلك، من أجل تخفيف أعباء المعيشة على المواطنين.
  • إجراءات دعم مستلزمات الإنتاج، وذلك للتشجيع على زيادة الإنتاج.

وبصفة عامة، فإن السياسة السعرية تشمل كل الوسائل المباشرة وغير المباشرة التي تؤثر على هيكل الأسعار، وتعتبر كل من التكاليف والضرائب والدعم والإعانات والتوزيع، من أهم أدوات السياسة السعرية للسلعة، أو لمجموعة السلع؛ وينظر للسياسة السعرية السليمة على أنها وحدة واحدة على كافة المستويات، ويجب أن تكون مترابطة وغير متعارضة بدءا من السياسة السعرية للسلعة أو مجموعة سلعية معينة، ثم السياسة القطاعية، فالسياسة السعرية العامة للدولة. غير أنه عند تطبيق مثل هذه السياسات قد تظهر ثغرات تقلل من نجاعتها، والتي يمكن تلخيص أبرزها فيما يلي:

  • وجود سياسات جزئية لا تشمل كل الأسعار الزراعية، وإنما تتناول سعر المحصول الواحد دون ربطه بالأسعار الأخرى، كما تختلف من محصول إلى آخر. وهي بذلك أقرب إلى نظام التسعير منها إلى سياسة سعرية شاملة.
  • تؤدي السياسة المتنوعة للأسعار إلى دخل متدن للفلاحين الذين تحدد الدولة أسعار منتوجاتهم، مما يؤدي إلى انخفاض المساحات المزروعة بالمحاصيل المحددة أسعارها، لصالح المساحات المزروعة بالمحاصيل غير المحددة أسعارها.
  • تتسم هذه السياسات بثبات الأسعار، وبأنها ردود أفعال لاحقة، بحيث لا تتغير إلا في حال وجود مشكلة، كما يستمر العمل بها لمدة طويلة، وذلك من أجل وقف ارتفاع الأسعار، وبهذا تتشكل فروق كبيرة بين أسعار السلع المحلية التي تخضع لتحديد من طرف الدولة، وبين أسعار نفس السلع في السوق العالمية؛ بحيث يصبح تعديلها من الصعوبة بمكان.
  • تعتبر بعض السياسات السعرية متحيزة لصالح المستهلك، والقطاعات غير الزراعية، على حساب القطاع الزراعي الذي يقوم بإنتاجها؛ وبالتالي تصبح الأسعار لا تعبر عن السعر الحقيقي.
  • عدم وجود علاقة تكاملية بين السياسة العامة للأسعار، وسياسة الأسعار الزراعية، وسياسة الأسعار الخاصة بمستلزمات الإنتاج، مما يؤدي إلى استنزاف دخول المزارعين الضعيفة أصلا.
  • تنجم عن الفروق الكبيرة بين الأسعار الفعلية والأسعار المحددة رسميا، الكثير من المخالفات لجميع القواعد السياسة السعرية وقراراتها وعدم الالتزام بها، ونظرا لعدم قدرة الدولة على المراقبة المستمرة لذلك، فإننا كثيرا ما نجد أن الأسعار الفعلية تختلف عن الأسعار المحددة وتتجاوزها، والتي تكون على حساب ميزانية المستهلك.

ولتفادي مثل هذه المزالق، وحتى يتسنى الاستفادة من السياسات الزراعية السعرية في الدول النامية يجب التخلص أولا من مجموعة من المعتقدات الخاطئة المتعلقة بها، والتي من أبرزها ما يلي:

  •  هناك اعتقاد بأن سعر الغذاء ـ وهو أكثر المعتقدات انتشارا ـ في الدول النامية، يكون منخفضا.
  •  هناك اعتقاد بأن القطاع الزراعي مثله مثل القطاعات الأخرى في الدول النامية يجب أن يخضع للضرائب بهدف زيادة الإيرادات المطلوبة للتنمية الاقتصادية.
  •  يتقبل معظم الناس مقولة السياسيين التي تتعلق بالأمن الغذائي، كدافع رئيسي للسياسات الزراعية السعرية.
  •  يسود الاعتقاد بأن سياسات التسعير في الدول النامية توضع من أجل الحد من عدم استقرار أسعار السلع في السوق.

ولهذا فإنه لكي تكون سياسة زراعية ناجعة، ينبغي تجنب السلبيات والأخذ بالمبادئ والأسس الإيجابية التي سبقت الإشارة إليها. وبالنسبة للجزائر فمنذ مطلع التسعينيات، عمدت إلى إتباع سياسة سعرية تخضع لآلية السوق، حيث عملت على تحرير الأسعار الزراعية كأحد أدوات السياسات الهامة ضمن السياسة الزراعية التي تنهض على التحول إلى اقتصاد السوق الذي يعطي الحرية الكاملة لقوى العرض والطلب لتحديد كل من الأسعار وكميات الإنتاج والاستهلاك. وهذه من ضمن الشروط الخارجية، غير أن الجزائر عملت على دعم بعض السلع ذات الاستهلاك الواسع سواء عند الإنتاج أو الاستهلاك، كما هو الحال بالنسبة للقمح والحليب.

حمل التطبيق الرائع الهندسة الزراعية للأندرويد 

       من هنا

‫0 تعليق

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.